التبادل الحر: سيجلب إلغاء الأوراق النقدية والعملات المعدنية منافع اقتصادية كبرى.

ماهر

منذ إختراع النقود في القرن السابع قبل الميلاد، فإنها اصبحت بشكلٍ عام الوسيلة الأكثر ملائمة للدفع لمشتريات كل يوم. ولكن كلما أصبحت الدفعات الألكترونية أسهل، وأحدثها إطلاق نظام “الدفعات اللاإتصالية” من قبل شركة أبل، بدء الاقتصاديون بالتساؤل فيما لو أن الأوراق النقدية والعملات المعدنية قد إنتهى دورها. يعتقد البروفسور كينيث روگوف من جامعة هارفرد إنها قد أدت دورها وأنتهت. يحاجج السيد روگوف بأن إلغاء العملات المادية سوف يساعد الحكومات على جمع ضرائب أكثر، ومحاربة الجريمة، وتطوير سياسة نقدية أفضل.

على السطح، تبدو خطة السيد روگوف كتغيير بسيط. تشكل الأوراق النقدية والعملات المعدنية جزء ضئيل جداً من الأموال المتداولة: 3% فقط في بريطانيا على سبيل المثال. ( في الولايات المتحدة النسبة هي 10% ويعود ذلك جزئياً لأن الأجانب يحتفظون بالكثير من عملة الدولار). البقية هي ببساطة عبارة عن أرقام في سجلات ميزان المدفوعات، أما في البنك (في حالة الأشخاص والأعمال)، أو لدى البنك المركزي (في حالة البنوك). تميل إلى الحركة عن طريق التحويل الالكتروني، ولا تأخذ أبداً شكلاً فيزيائياً في النقل.

التحويلات الألكترونية الباردة والجامدة:
كل يومٍ يمر، تصبح البلدان الغنية أقل إعتماداً على النقود، حيث أصبحت بطاقات الإتمان وبطاقات الدين، أو ما يسمى “المحافظ الإفتراضية” تنمو شهرةً. وحسبما يقول البنك الدولي، إمتلكت تلك الدول 83 ماكنة صراف آلي لكل 100 ألف من البالغين عام 2008، وأصبحت 68 فقط بحلول عام 2012. أظهرت ورقة علمية من منشورات بنك الإحتياطي الفدرالي في سان فرانسيسكو أن حصة التبادلات بإستخدام النقد في أمريكا قد إنخفضت في السنوات الأخيرة. حتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، إرتفعت القيمة الكلية للورقة النقدية ذات الخمسين دولار أو أقل بنفس نسق نمو الاقتصاد. مابين 1993 و 2013، نمى الاقتصاد الأمريكي بقيمة حقيقية (بعد إحتساب معدل التضخم) حوالي 65%، ولكن الأوراق النقدية ذات فئة الخمسين دولار أو أقل نمت 19% فقط.

لكن يبقى النقد مهماً. هناك حوالي 4 آلاف دولار من النقد السائل بالمعدل لكل أمريكي، وتسبب كل أنواع المشاكل. أحدها هو التزوير. في عام 2013، أزال بنك انجلترا 680000 ورقة نقدية مزورة، بقيمة إسمية حوالي 19 مليون دولار من التداول. يساعد النقد الأصلي المجرمين بشكلٍ آخر حيث أن الأوراق النقدية والعملات المعدنية تُبقي التداولات مجهولة: لايمكن معرفة من اشترى كيلو من الكوكائين عن طريق متابعة النقود السائلة التي استخدمها للدفع. في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي مجموعة بلدان غنية على الغالب، يُشكل “الاقتصاد غير الرسمي” للنشاطات المخفية عن الحكومة سواء تجارة المخدرات، أو الدخل غير المعلن من رعاية الأطفال، حوالي خمس قيمة الناتج المحلي الإجمالي. والأكثر من ذلك إن تلك الحصة لم تتقلص بشكلٍ كبير لعقودٍ من الزمن. يقدر السيد روگوف إنه في أغلب البلدان، تشكل الرغبة في إخفاء شيء ما عن السلطات أكثر من نصف التبادلات النقدية بالقيمة.

الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة مفيدة بشكلٍ خاص للمجرمين. هناك حوالي 295 مليار يورو (أي حوالي 382 مليار دولار) من أوراق فئة 500 يورو في التداول. ولكن أغلب الأوربيين لم يروا واحدة منها، حيث يحتفظ بها المجرمون، لإنها مفيدة جداً لتحريك المكاسب التي حصلوا عليها بشكلٍ غير قانوني (مليون يورو بأوراق نقدية من فئة 500 يورو تزن 2.2 كيلوغرام فقط).

سينهي إلغاء النقود التزوير بلحظة واحدة، ويجعل الأمر أسهل بكثير لتتبع الدفعات غير المشروعة. الإنخفاض في الجريمة التي سوف يتبع ذلك سيكون نعمة كبيرة، اقتصادياً واجتماعياً. الإنخفاض في التهرب الضريبي فقط سيجلب منافع مالية كبيرة. تقدر البحوث الصادرة من جامعة تفت إن العم سام سوف يجمع حوالي 100 مليار دولار إضافية سنوياً لو أصبحت أمريكا بلا نقود.

يرى خبراء السياسة النقدية أيضاً فوائد في اقتصاد بلا نقود. العديد من البلدان الغنية عالقة على “الحد الصفري الأدنى” بوجود سعر فائدة قريب من الصفر. سوف تكسب تلك الاقتصادات تحفيزاً نقدياً أكثر في صورة فائدة سالبة، التي سوف تحث أولئك الذين يدخرون النقود إلى صرفها والإستثمار. وجدت مقالة علمية نشرها البنك الإحتياطي الفدرالي في كليفلاند عام 2012 إن سعر الفائدة “المثالية” للاقتصاد الأمريكي في عمق الأزمة هي سالب 6.

ولكن إستمرار وجود النقود السائلة يجعل مسألة دفع سعر فائدة أقل من الصفر غير فعال جداً. تفترض البنوك المركزية بأن الناس ببساطة سوف يسحبون أموالهم من البنوك ويبقونها معهم بصورة أوراق نقدية ذات فئات عالية. في الواقع، بدؤا يفعلون ذلك فعلاً في البلدان التي فيها سعرٌ منخفض جداً للفائدة. من عام 2009 إلى عام 2013 إرتفعت قيمة أوراق المئة دولار في التعامل حوالي 30% بالقيمة الحقيقة. يعتقد البنك المركزي الفدرالي في سان فرانسيسكو أن سعر الفائدة المنخفض جداً مسؤول عن ذلك جزئياً.

ولكن التعامل الرقمي يجلب مشاكل. أولاً، حتى في البلدان الغنية، لازال هناك الكثير من الناس النزيهين الذين “لا يتعاملون مع البنوك” ويعتمدون تماماً على النقود السائلة. يعتقد بعض الاقتصاديين إن البنوك المركزية ستعاني أيضاً. تقوم البنوك المركزية بضخ الأموال في الاقتصاد، بشكل فيزيائي وإفتراضي معاً، عن طريق شراء الديون الحكومية. لاتدفع أي فائدة على الأموال التي خلقتها، ولكنها تكسب فائدة على السندات التي اشترتها. الأرباح التي تكسبها البنوك المركزية تأتي عن طريق “رسم سك العملة” (أي طبع الأوراق النقدية وسك العملات المعدنية)، وتُرسل إلى خزينة الحكومة. يعتقد البرفوسور باشكار چاكرافورتی، من جامعة تفت، إن رسم سك العملة في أمريكا عادة ماتجلب حوالي 20 مليار دولار دولار سنوياً. يكسب بنك إنجلترا حوالي 500 مليون باوند سنوياً بهذه الطريقة.

يعتقد السيد روگوف إن إلغاء النقود الفيزيائية سوف يقلل من رسم سك العملات. سوف يقلل المتهربون من الضرائب والمجرمين الآخرين، خوفاً من أن يتم إكتشافهم، الصرف وسيقل الطلب على الأموال. يشير السيد چاكرافورتي، على أية حال، إن الإيرادات المفقودة سوف تكون قليلة جداً مقابل مردودات الضرائب العالية. ويمكن أيضاً أن تعوض بالتكلفة الأقل لإصدار العملات.

هناك أيضاً السؤال حول ما إذا كان الناخبون سوف يتحملون الخسارة في الخصوصية التي يوفرها النقد السائل. ربما سيغضب بعضهم لأنهم توقفوا عن إستخدام العملات المحلية ويغيروا حساباتهم البنكية إلى أشكال أخرى من وسائل خزن قيمة المال، مثل عملات أجنبية أو عملة البتكون الرقمية.

قد يكون أحد الحلول الوسطى هو التخلص التدريجي من الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة مثل فئة 500 يورو. سوف يسمح ذلك بإبقاء التعاملات الصغيرة شخصية تماماً، بينما يجعل الحياة صعبة جداً أمام جميع المجرمين، إلا الثانويين منهم.

Next Post

​الشباب التونسيين يبرزون في هاكاثون الابتكار المفتوح الدولية

وكجزء من النسخة الأولى من “الابتكار الذكي الدولي” في هاكاثون، تميز مشروع “نملة” في حفل اختتام نظمته مجموعة التجاري وفا بنك الأسبوع الماضي بالمغرب بالشراكة مع سكريندي. في نهاية هاكاثون، ذهبت الجوائز إلى “بنك منزلي” في فرنسا، “نملا” في تونس و “الاختيار الإلكتروني” في كوت ديفوار (بريكس كوب دي كوور)، […]
hackathon e1471218459137 470x370 - التبادل الحر: سيجلب إلغاء الأوراق النقدية والعملات المعدنية منافع اقتصادية كبرى.
error: محتوى محمي
Read previous post:
البتكوين
البتكوين تبدأ 2017 بكسر حاجز الـ1,000 دولار

 إستمرت العملة الإلكترونية ‏(البتكوين) في تحقيق المكاسب التي رافقتها في الفترة الأخيرة، حيث وصلت المكاسب إلى مستويات قياسية في أولى...

Close